|
نرى جواز مثل هذه المُساعدات؛ لأنها من تخفيف الحمالات والمغارم، فإن كان الأصل أنها إذا كانت عمدًا يتحملها الجاني شرعًا، وإذا كانت خَطَأً وبلغت ثلث الدية تحملها عاقلة الجاني، وهم أقاربه وعصباته. ولكن حيث كان هذا المغرم من باب الصلح ، وكان زائدًا على ما قرره الشرع من تحديد دية الأعضاء والمنافع، وكان عادة يشق أن تقوم به عاقلة الجاني جاز- والحال هذه- تقبل المساعدات والإعانات من بقية القبائل. فعلى هذا كان الْأَوْلَى الاقتصار على قدر الحمالة التي التزموا بها، وحيث حصلت الزيادة المذكورة فنعرف أن أهلها غير معروفين بأعيانهم لِتُرَدَّ عليهم، وأنهم قد لا يقبلونها حيث دفعوها كمساعدة وَهَدِيَّة، مع أن الرجوع في الهبة لا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: العائد في هبته كالعائد في قيئه . فأولًا: هذا المبلغ الزائد يُعتبر مُلكًا لهؤلاء الذين جمعوه وتقبلوه كهدية ومساعدة. ثانيًا: يجوز إدخاله لصندوق الجماعة الموجود من السابق، ويُدَّخر لمُساعدة الآخرين فيما قد يحصل عليهم من إصابات وغرامات وحمالات ونحوها، كما يجوز صرفه في ديات الرقاب، ووفاء الديون عن المدينين، ومساعدة المتزوجين، وما أشبه ذلك. ثالثًا: يجوز تنميته بالبيع والشراء فيه، وجعله رأس مال في تجارة، والمساهمة به في شركات لها نتاج وفوائد، ثم تُصرف فوائده في المصالح العامة الخاصة بالقبيلة، كالديات والديون، أو التي يُقصد بها التقرب إلى الله، كمساعدة المُجاهدين وتجهيز الغُزاة، ورواتب الدُعاة، ومدارس تحفيظ القرآن، وطبع الرسائل العلمية، والأشرطة الإسلامية وتوزيعها على المستحقين وما أشبه ذلك. رابعًا: هذا المبلغ المتوفر في حالة بقائه غير مختصٍّ بأحد من الأشخاص يظهر أنه لا زكاة فيه، أما إذا اختص به أفراد، وأدخلوه في مُلكهم، فإنه يُزكى كسائر الأملاك. خامسًا: تلك المساعدات التي قدمتها هذه القبيلة لقبائل أخرى قصدت منها الإعانة لهم، ولم تقصد الرجوع فيها، ولم تعتبرها قرضًا عليهم، بل هي تَبَرُّعٌ من هذه القبيلة لغيرها من القبائل، كما تبرع لها هؤلاء، فعلى هذا لا يحق لهم استعادة تلك المبالغ من هذا المبلغ المُتوفر، بل يعتبرون مُساعداتهم من باب الإعانة والهدية، فلا يحق لهم الرجوع فيها، ولأن هذا المال المتوفر ليس خاصًّا بأولئك الذين حصلت مساعدتهم في السابق، بل قد يكون منهم ومن غيرهم، فيُعمل بهذا المبلغ ما ذكرنا سابقًا، والله أعلم. | | | عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين | |