عيادة المريض سنة مؤكدة، وقد رأى بعض العلماء وجوبها. قال البخاري في صحيحه: باب وجوب عيادة المريض. ولكن الجمهور على أنها مندوبة أو فرض على الكفاية، وقد ورد في فضلها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" رواه مسلم. (الخرفة: اجتناء ثمر الجنة) الدين الذي في ذمة من هو قادر على الوفاء يزكى؛ لأنه بمنزلة الأمانة عنده، ويقدر صاحبه أن يأخذه ويتحصل عليه متى طلبه، وأما الدين الذي عند معسر أو مماطل ولو كان غنيا، فإن صاحبه لا يقدر على الحصول عليه، ولو طالبه قد يدعي الإعسار والفقر، فمثل هذا المال كالمعدوم، فلا زكاة عليه إلا إذا قبضه إذا كان عقل المريض معه وفهمه وإدراكه فإن الأوامر والأحكام الشرعية تنطبق عليه، ويكلف بالصلاة والصوم والطهارة ونحوها بحسب القدرة، ويجوز مساعدته على الطهارة إن قدر على غسل أعضائه، فإن عجز عن استعمال الماء في أعضائه وشق غسلها عليه عدل إلى التيمم، فإن عجز فإن المرافق يقوم بذلك بأن يضرب التراب فيمسح وجهه وكفيه مع النية. الاعمى إذا أراد الصلاة فعليه أن يتحرى القبلة باللمس للحيطان إذا كان صاحب البيت، وإلا فعليه أن يسأل من حضر عنده، فإن لم يكن عنده من يسأله تحرى وصلى بالاجتهاد الغالب على ظنه، ولا إعادة عليه، كالبصير إذا اجتهد في السفر ثم تبين له خطأ اجتهاده فلا إعادة عليه. إن غسل أعضاء الوضوء في اليوم خمس مرات دليل على أن الإسلام جاء بما ينشط البدن وينظفه، كما جاء بما يطهر الروح ويزكيها. فهو دين الطهارة الحسية والمعنوية.
من كتاب المواهب الجلية في المسائل الفقهية للشيخ عبد الرحمن السعدي
2969 مشاهدة
من كتاب المواهب الجلية في المسائل الفقهية للشيخ عبد الرحمن السعدي

السلام عليكم ورحمة لله وبركاته. صلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
حكم صلاة الجمعة والعيدين.. : الصواب أن الجمعة والجماعة تجب حتى على العبيد الأرقاء؛ لأن النصوص عامة في دخولهم، ولا دليل يدل على إخراج العبيد، وأما حديث طارق بن شهاب الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة فذكر منهم العبد المملوك رواه أبو داود .
وهو حديث ضعيف الإسناد وطارق قد ذكروا أنه لم يصح سماعه من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصح منه حديث حفصة في سنن النسائي مرفوعا: رواح الجمعة واجب على كل مسلم .
وهو عام في الحر والمملوك، والأصل أن المملوك حكمه حكم الحر في جميع العبادات البدنية المحضة التي لا تعلق لها بالمال.
ولم يصح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- اشتراط الأربعين في الجمعة والعيدين شيء، والصواب أنه لا يشترط حكم الأربعين.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
يذكر الفقهاء أن الجمعة لا تجب على العبد؛ وذلك لأنه مشغول بخدمة سيده؛ ولأن الجمعة يجيئون إليها من بعيد، وقد تُفوِّت على العبد أربع ساعات، أو ست ساعات أو نحو ذلك، وهو مطالب بحق سيده في خدمته، وحق الآدمي مبني على المشاحة والمضايقة، وحقوق الله تعالى تدخلها المسامحة والتسهيلات.
فلأجل ذلك قالوا: العبد لا تجب عليه الجمعة، هكذا أطلق كثير من الفقهاء؛ وذلك لأنهم كانوا يأتون إلى الجمعة من مسيرة ساعتين أو نحوها؛ مسيرة ساعتين في مجيئهم وساعة في انتظار الصلاة وأدائها، وساعتين في رجوعهم، فيفوت على السيد خمس ساعات أو نحوها، إذا ذهب عبده لأداء هذه الجمعة وكذا العيدين؛ فلأجل ذلك قالوا: تسقط عن العبد.
ثم جاء حديث استدلوا به رواه أبو داود كما سمعنا عن طارق بن شهاب أنه قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: العبد المملوك، والمرأة، والمسافر، والمريض فذكر منهم العبد المملوك.
ولكن يرى المؤلف -رحمه الله- أن الحديث ضعيف، وأنه لا يُعمل به، وأن النصوص التي في كتاب الله تعالى، وفي السنة النبوية عامة للحر والعبد، يدخل فيها الأرقاء، ولا دليل يُخرِج العبيد.
وأن هذا الحديث ضعيف ويخالفه عموم حديث حفصة عند النسائي بإسناد صحيح قوله صلى الله عليه وسلم : رواح الجمعة واجب على كل مسلم .
يدخل في هذا الحديث الحر والعبد رواح الجمعة واجب ؛ المراد بالرواح هنا الذهاب إليها؛ يعني المجيء إلى الجمعة حق واجب على كل مسلم، ولم يستثن أحدًا إلا أن كلمة كل مسلم لا يدخل فيها النساء.
معلوم أيضا أن المسافر ليس حوله جمعة؛ فلأجل ذلك يشق عليه أن يأتي من مكان بعيد للجمعة؛ لأنه عابر سبيل، ولأن البوادي؛ أهل البوادي ليس حولهم مساجد تُقام فيها الجمعة؛ فلا تجب عليهم الجمعة لمشقة الإتيان إليها.
وقد كانوا يأتون إلى الجمعة من مسيرة ثلاث ساعات أو أربع ساعات. رُوي عن ابن عباس أنه قال: الجمعة واجبة على من أواه المَبيت إلى أهله أواه المبيت؛ معنى ذلك أن الجمعة تجب على كل من إذا رجع بعد صلاة الجمعة إلى أهله، وصل إليهم قبل الليل؛ فيجب عليه أن يأتي إلى الجمعة.
ومعنى ذلك أنه مثلا إذا صلى الجمعة وانتهى من الصلاة في الساعة الواحدة بعد الظهر وتوجه إلى أهله، وصل إليهم قبل غروب الشمس؛ فالجمعة عليه إذا كان سكنه مستقرا؛ يعني يسكن في البناء في مكان مبنى بخلاف المتنقل الذي هو البدوي، الذي يرتحل وينزل في مكان، وكذلك كل من ليس بمستقر.
فجعل الجمعة واجبة على المستقرين الذين لا يرحلون ولا يتحولون دائما؛ مكانهم الذي هم فيه لا يتغير، ولو كانوا يذهبون ويجيء غيرهم؛ فإن الجمعة تجب عليهم، ومثاله المرابطون الذين يستمرون دائما سواء المرابطون في الحدود، أو على السواحل، أو في المخيمات الدائمة، قد يبقون مثلا سنتين ثم يذهبون ويجيء غيرهم، ويبقى الآخرون سنتين أو ثلاث سنين وربما إلى خمس، ثم يذهبون ويأتي غيرهم، وهكذا.
فمثل هؤلاء لا يُحرمون من الجمعة؛ بل نرى أنهم لا تسقط عنهم لا يحرمون من الجمعة؛ لأنهم مثلا إذا كانوا مرابطين خمس سنين فكيف يَستفيدون؟ وكيف يتعظون وهم لا يسمعون جمعة ولا خطبة ونحو ذلك؟ وذلك لأن صلاة الجمعة شُرعت لأجل الاجتماع، وشُرعت لأجل المواعظ والتعليمات، هكذا.
لا شك أن أهل القرية مثلا ولو كانوا متباعدين، ولو كان بين طرفيها مثلا عشر كيلو بين الطرفين أو نحو ذلك، فإنهم يجتمعون في مسجد واحد، ويؤدون الصلاة جميعًا في كل أسبوع مرة.
وكذلك في الأعياد لا بد أنهم يجتمعون هكذا، كذلك أهل القرى النائية التي حولهم إذا كان مسافة القرية مثلا عشر كيلو، ولكن هناك أيضا أهل قُرى صغيرة؛ فعليهم أن يأتوا ولو بينهم وبين المسجد هذه المسافة عشر كيلو، وربما يأتون من عشرين كيلو كما هو واقع قديما.
كانوا يأتون إلى المسجد النبوي من مسيرة نحو ساعتين أو ثلاث ساعات؛ يعني من العوالي من أقصى المدينة في الجهة الجنوبية، لم يكن هناك مسجد جمعة إلا المسجد النبوي في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فكانوا يمشون على أقدامهم ساعتين أو ثلاث ساعات؛ لأجل أن يصلوا الجمعة في المسجد النبوي
ما رخَّص لهم أن يصلوا في قباء ولا في غيره من المساجد، بل كانوا يصلون في المسجد النبوي في عهد حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي عهد الخلفاء الراشدين، وكذلك ما بعدهم إلى عهد قريب؛ يمكن إلى نحو سبعين سنة أو قريبا منها.