فمن خصائصه أن الله فرض صيامه، وهذه الفرضية على المكلفين من أمة الإسلام فريضة، وركن من أركان الإسلام، ولن نتكلم أيضا على أحكام الصيام لطولها، ولكن نذكر بعض فوائد الصيام على وجه الاختصار، فنقول:
إن الله ذكر فائدة عظيمة للصيام وهي التقوى. قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
والتقوى هي: توقي المعاصي؛ أي: لعلكم تتقون معصية الله، وتتوقون عذاب الله. فالصيام سبب من أسباب التقوى، وذلك لأن الصائم يتقرب بترك الطعام والشراب ونحوهما، فإذا تقرب بذلك وهو حلال؛ حملته نفسه على أن يتقرب بترك الحرام بطريق الأولى. إذا دعته نفسه إلى محرم فكر، وقال: أنا الآن أترك الحلال؛ فكيف أفعل الحرام؟! والذي يفعل الحرام -وهو صائم- لا شك أنه لم يتأثر بالصوم؛ فالذي إذا صام ارتكب الآثام هذا ليس من أهل التقوى. فأنت لك أن تحكم على العاصي بأنه لم ينتفع بصومه؛ أيا كانت معصيته، سواء كانت معصية اللسان وهي التي حذر منها الإسلام، وورد في الأحاديث النهي عنها تحذيرا، وهي في الصيام أشد كقوله -صلى الله عليه وسلم-
من لم يدع قول الزور، والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه
.
وقال: رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش
وقال: ليس الصيام من الطعام والشراب؛ إنما الصيام من اللغو والرفث وقال جابر إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الغيبة والنميمة، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
فهذه فائدة من فوائد الصيام، وهو أنه يسبب التقوى، والنهي عن المحرمات القولية، والفعلية؛ الفعلية كثيرة؛ كأكل الحرام، والكسب الحرام مثلا، وكذلك استماع الأغاني، والملاهي، والنظر إلى الأفلام الخليعة وما أشبه ذلك، ويعم ذلك الزمان كله. فالذين مثلا ينشغلون في أوقاتهم أو يشغلونها في حرام، ويزعمون أنهم بذلك يسلون أنفسهم؛ يقال لهم: ما نفعكم صيامكم.
يسأل الكثير ويقولون: إننا في ليالي الصيام أو في نهار الصيام قد نستطيل الأيام، قد نستطيل الأوقات؛ قد نمل من الوقت، فنحتاج إلى أن نسلي أنفسنا، نتسلى باللهو، نتسلى باللعب، نتسلى بلعب الأوراق، نتسلى بسماع الغناء، نتسلى مثلا بلعب الشطرنج أو ما أشبه ذلك من الملاهي، ولا تشغلنا عن الصلاة. إذا دخل وقت الصلاة بطلناها وذهبنا إلى العبادة؛ هكذا يقول. هل هذا عذر؟ نقول: ليس بعذر. وقتكم الذي أنتم فيه محسوب عليكم؛ محسوبة عليكم ساعاتكم ودقائقكم؛ تحاسبون عليها، ولا أحب أن أدخل في بيان نفاسة الوقت فإن الموضوع ليس بموضوعنا، ولكن أحثكم مطلقا على حفظ الوقت، فأقول: بدل ما تشغلون وقتكم في نظر إلى أفلام، أو سماع إلى أغان، أو لعب بكيرم أو ما أشبه ذلك من الألعاب، أو لعب بشطرنج، أو لعب بلهو، أو لعب أو كرة أو ما أشبه ذلك؛ مما يذهب عليكم الأوقات، ويضيعها. لماذا لا تشغلونه بشيء يفيدكم؛ حتى تجمعوا بين العملين؛ حفظ الصيام، وحفظ الأوقات؟
الذي يفيدكم مثلا: قراءة القرآن، فإن رمضان له خصوصية بالقرآن. قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ
وفي الصحيح عن ابن عباس قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يدارسه القرآن في ليالي رمضان، فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.
والشاهد منه أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يعرض القرآن على جبريل وكانوا يتدارسونه في كل ليلة من ليالي رمضان. أليس لنا أسوة به -عليه الصلاة والسلام-؟ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
.
أدركت مشائخنا وآباءنا في ليالي رمضان يجتمعون على القرآن؛ فيدرسون ثلاثة أجزاء في كل ليلة بعد صلاة التراويح؛ يقرءون فيها ثلاثة أجزاء قراءة مرتلة مجودة معقولة، يتدبرون فيها، ويتعقلون، ويستفيدون، ويعرض كل منهم قراءته على رفقته. كل واحد يقرأ ثمنا.
لو أحيينا هذا لكنا عاملين بالسنة في أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يدارس جبريل القرآن ، وكان المسلمون يفعلون ذلك.
إذا اجتمعت أنت وأربعة وعشرة في بيت أحدكم الليلة، وفي البيت الثاني الليلة القابلة؛ كل ليلة تقرءون ثلاثة أجزاء، أو جزأين، قراءة تمعن وما أشبه ذلك؛ لكنت بذلك مستفيدا وسالما من اللهو.
وكذلك لو شغلت وقتك في دراسة القرآن بمفردك؛ بأن تشتغل بحفظ ما تيسر منه، تتحفظ. أنت بحاجة إلى استظهار القرآن وحفظه، فاشغله في هذا الوقت النفيس؛ الذي هو وقت إنزاله. في كل يوم بعد العصر وبعد العشاء وبعد الفجر، تقرأ لك ما تيسر، تقرأ وتحفظ ثمنا، أو نصف ثمن، أو ثمنين؛ على قدر قوة ذاكرتك، وعلى بعد ما تستفيد من وقتك، وتحفظ زمانك، وتحفظ كلام ربك. أليس هذا خيرا من اللهو؟! أليس هذا خيرا من اللعب؟!
كذلك أيضا أنت مطالب بهذه الدراسات اليومية؛ التي أنت تأتي لأدائها في مثل هذه المدارس. ألست مطالبا بواجبات؟! أليس قيامك بواجباتك، وأداؤك للواجب الذي أنت ستؤديه خيرا من اللعب، خيرا من اللهو، خيرا من مقابلة الأفلام والصور، وسماع الأغاني ونحو ذلك، خيرا من اللهو واللعب، خيرا من الاجتماعات الفارغة التي لا فائدة فيها؟! إذًا هذا مما تشغل به وقتك أن تحضر بدروسك؛ إما وحدك وإما مع صديقك وزميلك، وتقرأ فيها حتى تؤديها في نهاية السنة، وقد هضمتها، وعرفتها، وحتى تدرس كل درس، أو كل يوم تؤديه أو تتلقاه، وقد استفدت منه، وتبقى أثاره معك طوال حياتك.
الطلاب الذين يدرسون في هذه المدارس؛ في المراحل الابتدائية والمتوسطة وما بعدها، لماذا يدرسون؟ هل يدرسون لمجرد تجاوز المرحلة فقط، والنجاح وهو مجاوزة الاختبار؟ أو يدرسون لأجل أن تبقى معهم آثار وبقايا من تلك المعلومات؟ فالذي إنما يدرس لأجل حمل الشهادة والمؤهل ومجاوزة المرحلة لا خير في دراسته؛ أما الذي يدرس للاستفادة فإنه هو الذي استفاد من حياته.
وكيف تعرف أن هذا مستفيد من حياته، ومن دراسته؟ هو أن يبقى معه معلومات طوال حياته. متى تبقى هذه المعلومات؟ إذا كان يكررها، وإذا كان يعمل بها، وإذا كان يطالعها، وإذا كان يهضمها هضما؛ فيشتغل بها في وقت فراغه؛ بأداء الواجبات ونحوها، وينشغل بها عن غيرها من ما هو مله وقاطع وصاد عن الطريق المستوي، هذا مما تشغلون به أوقاتكم؛ فهو خير من هذه الملاهي.
أقول: إن من فوائد الصيام حصول التقوى التي قال الله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
وإن التقوى تحصل بتوقي عذاب الله، وتوقي أسباب العذاب، فمن فعل ذلك فهو -إن شاء الله- من المتقين، ومن وقع في الحرام، وقع في الآثام، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه؛ كما ورد في الأحاديث.
من خصائص رمضان أيضا قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي ذكرنا: شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا وفي حديث آخر أنه قال: إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه
وقال عليه الصلاة والسلام-
من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه
.
القيام معناه الصلاة في الليل، هكذا القيام، ليس القيام هو السهر. غالبا أن الناس في رمضان يسهرون طوال ليلهم، قل أن ينام منهم أحد، ومن نام فإنما ينام ساعتين، أو ثلاثا، وإلا فإنهم يبيتون طوال الليل، ويجعلون النهار نوما. نقول: لا بأس بالسهر، ولكن على خير، ومن أفضل ما يقطع به الليل الصلاة ومن الصلاة التي يقطع بها صلاة التراويح.
هذه التراويح من خصائص رمضان ؛ الاجتماع على أداء هذه الصلاة بطمأنينة، وراء إمام يحسن القراءة، ويطمئن في صلاته؛ هذه من أفضل العبادات التي رتب عليها مغفرة الذنوب: غفر له ما تقدم من ذنبه
فيحتسب المسلم، ويصلي مع المصلين، ويشاركهم في الأجر، ويحتسب أن يبقى إلى أن ينهي الإمام صلاته؛ ليكتب له قيام ليلة.
ورد في حديث: من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة
؛ يعني: في صلاة التراويح، فهذه من أفضل الأعمال التي اختص بها رمضان.
و من خصائص رمضان كثرة تلاوة القرآن كما قلنا، والأفضل للإنسان أن يجعل له حزبا يوميا يقرؤه بعد العشاء أو بعد الفجر أو بعد العصر، أو في أوقات الفراغ مثلا كأيام العطل كالإثنين والخميس، وآخر الشهر الذي هو عطلة دراسية وما أشبه ذلك، وليحرص على أن يكثر من تلاوة القرآن.
فكان السلف -رحمهم الله- يقبلون على قراءة القرآن، ويقولون: إنما هو شهر قراءة وذكر، وقد روي عنهم في ذلك آثار قد تكون غريبة؛ حتى روي عن الشافعي -رحمه الله- أنه كان يختم القرآن في كل نهار وفي كل ليل؛ يختم في رمضان ستين ختمة؛ ختمة في الليل، وختمة في النهار، زيادة على ما يقرؤه في الصلاة.
وقد كان بعض مشائخنا وآبائنا يختمون بين الفجر والظهر. يجلس أحدهم في مجلسه، ولا يأتيه وقت الظهر إلا وقد ختم القرآن؛ وذلك لأن الله تعالى يسره عليهم، وسهله على ألسنتهم؛ فهو لا يعوق أن يسرعوا في قراءته؛ مع أنها قراءة معقولة، ليست حدرا .. بسرعة شديدة؛ بل قراءة معقولة، ولكن مع ذلك سهل عليهم. قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
يسره الله بألسنتهم. نحن لا نقول: افعلوا مثلهم، ولكن على الأقل في كل ثلاثة أيام ختمة، أو في كل خمسة أيام، أو في كل أسبوع ختمة؛ على حسب جهد المسلم، فإذا فعل ذلك اغتنم الوقت، وحصل على الأجر.
و من خصائص رمضان: كثرة الذكر ؛ الذكر الذي قال فيه النبي -عليه السلام- في الحديث الذي سمعنا؛ يقول: فأكثروا فيه من أربع خصال ؛ جعل منهم الذكر، وهو: قول لا إله إلا الله والاستغفار، وذكر الله تعالى بعد الصلوات مشروع، وكذلك عند النوم، وكذلك عند الصباح والمساء، وكذلك في سائر الأوقات، وأفضل الذكر التهليل والتسبيح والتحميد والاستغفار والحوقلة وما أشبه ذلك، وينبغي مع ذلك أن يأتي بها وقد فهم معناها؛ حتى تؤثر فيه فيتعلم، مع أن هذه الكلمات التي هي الباقيات الصالحات. ورد في حديث في تفسير قول الله تعالى: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ
أنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
ورد في حديث آخر: أفضل القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر
هن من القرآن، وهن أفضل الكلام الذي يؤتى به ذكرا، فتتعلم معنى التهليل، ومعنى الاستغفار، ومعنى الحوقلة، ومعنى التسبيح والتكبير، والحمد وما أشبه ذلك، تعلم معناها حتى إذا أتيت بها أتيت بها وأنت موقن بمضمونها، وأنت طالب لمستفادها.
وكذلك من خصائص رمضان: الترغيب في الدعاء ؛ يعني: أن يكثر من الأدعية؛ لأن رمضان موسم من مواسم الأعمال، ولا شك أن المواسم مظنة إجابة الدعاء ؛ مظنة إجابة الدعاء للمسلم، فإذا دعوت الله تعالى بالمغفرة وبالرحمة، وبسؤال الجنة وبالنجاة من النار، وبالعصمة من الخطأ، وبتكفير الذنوب، وبرفع الدرجات وما أشبه ذلك، ودعوت الله دعاء عاما بنصر الإسلام، والتمكين للمسلمين، وإذلال الشرك والمشركين وما أشبه ذلك؛ رجي بذلك أن تستجاب هذه الدعوة من مسلم مخلص؛ ناصح في عمله.
وقد أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- من الدعاء بسؤال الجنة، وبالنجاة من النار؛ وذلك لأنها هي المآل؛ مآل ونهاية ما يتمنى، وما يُسأل وما يُطلب؛ سؤال الجنة والنجاة من النار.
ومن خصائص رمضان، أو مما يندب فيه: الاعتكاف في آخره، أو في ما تيسر منه، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده.
والقصد من الاعتكاف هو: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق. المعتكف وهو الذي يقطع علاقته بالناس، ويتفرغ لعبادة ربه، ويكون في المسجد حتى لا ينشغل عن الصلوات والعبادات التي تؤدى في المساجد، ويفعل من القربات ما يستطيعه.
إذا كان معتكفا فإنه قد انقطع عن الدنيا، وقد انقطع عن الشهوات، وعن أهله، وعن ماله ونحو ذلك، وأقبل على ربه؛ فهو يشغل وقته كله في عبادة؛ إن في صلاة، إن في ذكر، إن في قراءة، إن في دعاء، إن في تدبر قلبي، إن في تفكر في آيات الله تعالى ومخلوقاته؛ فيكون وقته كله عبادة؛ منقطعا عن الأشغال الدنيوية، وهذا من العبادات التي قد أو نخاف أن تكون قد أميتت.
يقل الآن من نراه معتكفا في المساجد -إلا ما شاء الله- ينبغي لك ألا تحقر نفسك من هذه العبادة، ولو أن تعتكف يوما؛ يوما كيوم جمعة مثلا أو يوم عطلة، أو في آخر الشهر يومين أو ثلاثة؛ إذا ما تيسر لك لأجل الدراسة ونحوها أن تعتكف العشر كلها، تعتكف نصفها، أو ثلثها، أو ما تيسر منها؛ حتى تحيي هذه السنة.
ومما أيضا يضاعف أجره في رمضان: العمرة في رمضان ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: عمرة في رمضان تعدل حجة
أو قال:
تعدل حجة معي
إذا تيسر للمسلم أن يأتي بعمرة في رمضان في أوله أو في آخره أو في وسطه؛ يؤدي فيها هذه المناسك، ويتعبد فيها بالعبادات التي تختص بمكة وتضاعف هناك، فإن له بذلك أجرا -إن شاء الله-.
فهذه بعض الوصايا التي أوصي بها في مثل هذا الشهر، ولكن أهمها:
احترام الشهر، ومعرفة وقته، ومعرفة مزيته وفضله، فإن الإنسان متى عرف أن زمانه زمن شريف؛ بخل به أن يشغله في شيء يقطعه عن الخير، أو يشغله بالشر، والبخل في الزمان مما يمدح به. يعني: البخل مذموم، ولكن قد يكون ممدوحا، إذا قيل: فلان بخيل، بخيل بماله، فهو مذموم، بخيل بوقته، فهو ممدوح، فأنت تكون من الذين يمدحون بالبخل، وهو شحك بوقتك أن يذهب منه شيء في غير فائدة، فإذا فعلت ذلك -إن شاء الله- استفدت من زمانك، واستفرغت وقتك في شىء يفيدك؛ هذه وصيتي لأبنائي الطلاب، ولإخوتي الحاضرين.
وأسأل الله -عز وجل- أن يبلغنا شهر رمضان، وأن يجعلنا ممن صامه وقامه، وأن يجعلنا وإياكم من الذين صاموا الشهر واستكملوا الأجر، وأدركوا ليلة القدر، وفازوا بجائزة الرب، وأن يغفر لنا ذنوبنا، ويكفر عنا خطايانا، ويرفع لنا درجاتنا. إنه ولي ذلك، والقادر عليه، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد .
أسئـلة
س: جزى الله فضيلة الشيخ خير الجزاء، ونفعنا بكلمته هذه. حقيقة إن الأسئلة كثيرة؛ حتى يعنى الشيخ يجيب على أكثرها، أو نصفها. هناك سؤال أحد الإخوان يقول: ما هي الطريقة المثلى التي يختار بها أصدقاءه ورفاقه؟
أنت تعرف الصالح -إن شاء الله- ممن ليس بصالح؛ فإذا رأيت الإنسان يحافظ على الصلوات فإن ذلك من سِِما الصالحين؛ فتختاره صديقا، وإذا رأيته يحب الصالحين، ويقرب منهم، وإذا رأيته يحب الأعمال الخيرية، ويذكر الله، ويشكره، ويثني عليه، ويتعبد، ويؤدي العبادات في وقتها، وإذا رأيته ينفر عن الشر، وعن اللهو، وعن المعاصي، ويبتعد عنها، وعن أهلها؛ فهذا هو الذي يصلح أن تختاره صديقا، ولو قدر أنك اخترته، ثم رأيت منه بعد ذلك تغيرا فلك أن تمقته، وأن تبغضه، وأن تفارقه، وتعدل عنه إلى غيره. التغير قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل؛ فعلى كل حال الصديق هو الجليس الصالح؛ في الحديث: لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي
فاصحب ورافق من يكون مؤمنا؛ يعني: صادق الإيمان. نعم
س: فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله. أنا شاب تعرفت على رفقة طيبة؛ لكن أهلي منعوني من الالتقاء بهم بحجة الدارسة؛ كما أفيدكم أن كثيرا من زملائي يمنعهم أهلهم من صحبة الأخيار بحجة الدراسة، أو خوفا عليهم من التزمت؛ بينما هم يطلقون لهم العنان في صحبة الأشرار. فما تعليقكم على هذا؟
نقول: أولا: أحبك الله، وجزاك خيرا على حب الخير، وحب أهله.
وثانيا: ننصحك على أن تتمسك بصحبة الأخيار، وألا تبالي من لامك، ومقتك في ذلك، وأما ما تراه من أهلك؛ فعليك أولا: أن تقنعهم، وتبين لهم أنك لا تريد إلا الخير، وأن رفاقك الذين أنت متصل بهم كلهم رفقة خير، ثم عليك أن تأتي بهم إلى أهليك، وتبين لهم الأعمال. تقول: هذا فلان، ماذا ينتقد عليه؟ هو من المحافظين على الصلوات، ومن المتنزهين عن الشبهات وما أشبه ذلك، وعملي معهم لا يشغلني عن الدراسة؛ فأنا وإياهم ندرس سواء، ونؤدي ونتفوق -إن شاء الله- في الاختبارات، ونقوم بالواجبات؛ بخلاف ما إذا صحبنا الأشرار، فإنهم يضيعون علينا وقتنا، ويوقعونا فيما يقدح في عدالتنا وفي ديننا؛ لعلهم -إن شاء الله- يقنعوا، ولكن حتى لو لم يقنعوا فإن معصيتهم في هذا واجبة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فلا يجوز لهم أن يأمروك بأن تصحب الأشرار، وإذا أمروك فلا تطعهم، وهكذا. نعم.
س: فضيلة الشيخ: إن بعض الشباب يعمل المعاصي، فإذا نصحهم أحد بترك هذه المعاصي يقولون: إنهم عندما يكبرون سوف يتوبون، فهكذا هم يعطون أفضل أيامهم للشيطان؛ فما حكم هذه التوبة عندما يكبرون؟
أولا: نقول: لكل مسلم أن يعمل من وقته الخير، ويترك الشر؛ سواء كان شابا أو شيبا. الشباب والشيب كلهم مخاطبون ومطالبون بأن يعملوا الأعمال الصالحة.
ثانيا: ننصح الشاب أن يبادر بالعمل، وألا يسوف؛ لا يسوف بالتوبة. الذين يقولون: ما دمنا في ريعان الشباب، وما دمنا في قوة أعمارنا، وما دمنا في مستقبل حياتنا، فلا بد أن نرفه عن أنفسنا، ونمتعها بالشهوات ولو كانت محرمة؛ فنقع في الخمور، ونقع في الزنا، ونقع في الغناء، ونتسلى بكذا وكذا، وبالألعاب ونحو ذلك، وإذا كبرنا تمكنا من التوبة، ورجعنا إلى الله. نقول: لا يجوز ذلك؛ لماذا؟
أولا: ليس معك يقين أنك تعمر؛ فربما يأتيك الأجل وأنت على لهوك، وسهوك، فتموت عاصيا، وتحشر إلى العذاب -والعياذ بالله- فكم حصل من موت الشباب، ومن موت الشيب! وكم عمر من هو كبير، واقتطع من هو صغير!
ثانيا: ليس معك يقين أنك تقدر على التوبة؛ فقد لا تقدر عليها فإن المعاصي تميت القلوب. الذين مثلا يركنون إلى المعاصي في صغرهم يألفونها في كبرهم، ويشق عليهم تركها؛ فكثير من الذين عصوا الله وهم في الشباب حاولوا التخلص، وحاولنا تخليصهم، فذكروا أنهم عاجزون، وأن هذا صار ديدنا، وعادة لهم؛ ألفوا هذه الملاهي، وأحبوها، وألفوا مثلا شرب الخمور، ولم يستطيعوا أن يتركوها. ألفوا أكل الحبوب والمخدرات ونحو ذلك، ولم يستطيعوا أن يتركوها؛ ألفوا سماع الأغاني، ولم يستطيعوا أن يتركوها، صارت عادة وجبلة لهم، فلم يتمكنوا من تركها؛ أنت ترضى أن تكون كذلك؟
ثالثا: ربما يقول الإنسان: سوف أتوب عند الوفاة، ولكن لا يتمكن؛ فكم حيل بين العاصي وبين التوبة، ولم يتمكن منها! كثير من الذين كانوا منهمكين في المعاصي لما حضرهم الأجل. قيل لهم: توبوا، فقالوا: لا نقدر؛ يلقن أحدهم الشهادة فلا ينطلق بها لسانه، وما ذاك إلا أن المعاصي حالت بينه وبينها؛ فهل يرضى المسلم أن يكون كذلك؟ إذًا فنحث الشاب على المبادرة بالتوبة النصوح، وألا يسوف، ونبشره أنه إذا فعل ذلك كان من خيرة الله تعالى. تسمعون ويتكرر عليكم الحديث الذي في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ منهم: شاب نشأ في طاعة الله
نشأ في عبادة الله، من الذين يظلهم الله؛ وذلك لأنه خالف ما تهواه نفسه، نعم.
س: السلام عليكم ورحمة الله. أبي لا يصلي، وأنا عندما أصلي يضربني أشد الضرب، وأنا عندما أصلي يقول لي: لماذا تصلي؟ أما أنا فأنا أنصحه أن يصلي، ولكنه لم يرضَ، فما الحل؟
لا تطعه في ذلك، وإن استعطت أن تتخلى عنه، وتفارقه إلى غيره فهو أفضل؛ مادام أنك لا تستطيع تقويمه. إن استطعت تقويمه، بأن تأتيه بمن ينصحه، وبمن يخوفه، وبمن يحذره رجاء أن يتوب فافعل، وإذا لم تستطع، وخفت على نفسك أن يفتنك، وأن يردك، ففارقه وانج بنفسك؛ النجا النجا.
س: أيضا هذا يسأل، يقول: أنا أصلي الصلوات الخمس، وأبي لا يصليها، أريده أن يصلي فماذا أفعل؟ وآخر يقول: أبي لا يصلي صلاة الجمعة، ويصلي بدلها الظهر، والفجر يصليها الساعة العاشرة، والعصر يصليها في وقت المغرب، فماذا أفعل؟ أفيدوني أثابكم الله.
لا شك في كثرة هؤلاء الذين يتخلفون، أو يتخلون عن الصلاة. هؤلاء كانوا في شبابهم من المفرطين؛ قد كانوا في شبابهم قبل مثلا عشرين أو ثلاثين سنة. كنا نعرف في هذه البلاد قبل ثلاثين سنة الشباب منحرفا -إلا ما شاء الله- القليل منهم المتمسك؛ الذي في سن العاشرة إلى الخامسة عشر ما نراهم يشهدون الصلاة، ولا غيرها، ولكن تراهم في الملاعب بكميات هائلة؛ هؤلاء نشأوا على هذا؛ فقست قلوبهم، ومرنوا على المعصية، وثقلت عليهم العبادة، فتزوجوا ولد لهم وهم على هذه الحالة، فصارت الصلاة عندهم ثقيلة كبيرة؛ كما في قول الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ
فهدى الله أولادهم لما أنهم نشأوا في طاعة الله، أو صحبوا الأخيار وأهل الخير، أو تعلموا في مدارسهم آداب دينهم، فتبصروا، وبقي آباؤهم على عنت، وعلى عناد، وعلى خروج عن الجادة المستقيمة؛ فما واجب الأولاد؟ واجبهم أن يحذروا آباءهم من هذا الإهمال والتفريط، ومن عذاب الله تعالى، وإذا كان الآباء ممن قست قلوبهم، ومما لا يستفيدون.
فما على الأولاد إلا أن ينجوا بأنفسهم، وأن يصلحوا أحوالهم؛ هذا إذا بذلوا كل جهد في نصح أو في اجتلاب من ينصح. لا شك أن هذه الأفعال بشعة، فالذي يصلي ظهرا بدل الجمعة هذا لا جمعة له ولا صلاة له؛ وذلك لأن هذا اليوم هو اليوم الذي فرضه الصلاة في المسجد جمعة، ثم أيضا ترك الصلاة مع الجماعة. كذلك الذي ينام إلى أن يستيقظ في الساعة العاشرة أو الساعة الثامنة، أو حتى في الساعة السادسة بعدما يخرج الوقت؛ كل هؤلاء قد فوتوا على أنفسهم العمل الخيري، وهو أداء الصلاة في وقتها: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا
فالواجب على أولادهم وعلى إخوتهم، وعلى أصحابهم أن يقوموهم، وإلا فليحذروهم، وليقاطعوهم.
س: هذا السائل يقول: أنا أبلغ من العمر ست عشرة سنة، المسجد قريب من منزلنا، ولا أصلي في المسجد؛ لأن الوالدة لا تسمح بذلك؛ لأنه يوجد شركات، والشوارع فارغة من حركة السائرين، فهي تخاف علي؛ فهل يجوز ذلك، أم لا؛ إذا منعتني من صلاة الفجر في المسجد؟
إذا كان الإنسان يخشى على نفسه؛ فله أن يصلي في البيت. إذا كان يخشى من لصوص، أو من قطاع طريق مثلا، أو من مختطفين، كما في بعض البلاد التي يكثر فيها المختطفون للنساء أو للشباب، أو نحو ذلك لفعل الفاحشة أو ما أشبه ذلك، أو كان هناك ضرر كبرد شديد، أو حر شديد مزعج مثلا، أو عذر من الأعذار؛ جازت الصلاة في الرحال، ولكن ننصحك في هذه الحال على أن تصلي في المسجد إذا استطعت سبيلا إلى ذلك، أو تذهب مثلا مع جيرانك، وترجع معهم؛ إذا كان المسجد بينك وبينه شركات فيها عمال مثلا غير مسلمين، أو غير مأمونين، فإذا ذهبت مع صديقك أو جارك أو والدك، أو أحد جيرانك، فإنك -إن شاء الله- تكون بمأمن. جرب ذلك مرارا، فلعلك- إن شاء الله- تجد مأمنا.
س: هذا أحد يسأل عن حكم الغناء؛ مع ذكر الدليل؟ وآخر يقول: إني أحب سماع الأشرطة الدينية، ولكن أهلي في البيت يضعون شرائط غناء فماذا أفعل؟ وآخر يقول: أنا لا أحب الأغاني، وأهلي يشغلونها في البيت، وعندما أعارضهم يضربونني، ويضيقون علي؛ فماذا أفعل لكي أنهى عن ذلك؟
الغناء حرام، والدليل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
قال ابن مسعود والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء؛ فذمهم الله على ذلك، وعابهم، وذكر أنهم إذا سمعوا القرآن نفروا عنه؛ فقال في الآية:
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا
فهذه حالة كثير من الذين يألفون الغناء، إذا تليت عليهم الآيات فإنهم ينفرون منها؛ كما في قول ابن القيم -رحمه الله- أو ما أنشده:
وإذا تـلا القـاري عليهـم ســورة | فأطالهـا عـدوه فــي الأثقــال |
ويقـول قائلهـم: أطلـت وليـس ذا | عشـر فخـفِّف أنــت ذو إمـلال |
ثقـل الكتــاب عليهـم لمـا رأوا | تقييــده بـأوامــر ونــواهي |
وأتـى الغنـاء موافقـا أهـواءهم | فلـذا أضحــى عظيـم الجــاه |