أما الناقض الثالث: فذكر أنه (من أبغض شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أو رده).
لا شك أن الواجب تَقَبُّل دين الإسلام، وعدم رد شيء منه، وعدم الإنكار لشيء من هذا الإسلام، فالإسلام الذي هو الشريعة سواء كان اعتقادات أو أعمالا كله مُجْتَمِع لا يتجزأ ولا يتفرق، فمن قبل بعضا دون بعض اعتبر قد فرق بين ما أمر الله تعالى به، فالواجب على المسلم أن يحب الله تعالى، وأن يحب كل من يحبهم الله، وأن يحب كل شريعة أمر الله بها، وأن يفعلها وهو مطمئن بها، معتقد أن فيها الفلاح والفوز والظفر.
هكذا يكون المؤمن، يحب الصلاة ولو كانت ثقيلة على بعض النفوس، قال تعالى: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فالذين هدى الله تعالى خفيفة عليهم، ومحبوبة لديهم، ولذيذة في نفوسهم، يحب الصدقات، يحب الصيام، يحب الحج والعمرة، يحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحب كتاب الله تعالى، يحب ذكره ويتلذذ به، يحب دعاء الله تعالى، يحب التفكر في آياته وفي مخلوقاته، وهكذا أيضا يحب أولياء الله الذين يحبهم الله تعالى، فيحب كل مؤمن، ويتقرب إلى الله تعالى بمحبتهم، فيحب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقدم محبته على محبة كل شيء.
ومعلوم أنه إذا فعل ذلك أبغض ضده ولا بد، فالمؤمن المسلم الموحد يبغض الشرك وينفر منه، ويبغض المعاصي ويبتعد عنها، ويبغض البدع ويبتعد عنها وعن أهلها، وكذلك يبغض الذنوب صغيرها وكبيرها؛ ولو كانت تشتهيها النفس، ولو كانت تميل إلى بعضها، ولو كانت لذيذة عند النفوس أو عند بعض النفوس المريضة، فيبغض الغناء وينفر منه، ويبغض الزنا، ويبغض الخمر ولو كان شرابا روحيا لذيذا -كما يقولون- ويبغض اللهو واللعب، وكل شيء يبغضه الله تعالى.
فإن من أحب الطاعات أبغض المعاصي، ومن أحب المعاصي أبغض الطاعات، ومن أحب الله أبغض أعداءه وأحب أولياءه، ومن أحب أولياء الله أبغض أعداءه، وأحب الله وأحب شرع الله تعالى.
فهكذا يكون المسلم أنه لا يبغض شيئا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتبرأ منه؛ بل يحب ذلك ويتلذذ به، وهكذا كان الصالحون، الصالحون من عباد الله كانوا يتلذذون بالطاعة، كانوا يتلذذون بقيام الليل، يرون أنه سرورهم وبهجتهم، كانوا يتلذذون بذكر الله تعالى، يقول قائلهم:
بذكر الله ترتـاح القلوب | ودنيانا بـذكراه تطيب |