وأجاب العلماء بأن آيات المعية تنقسم إلى قسمين: معية عامة، ومعية خاصة؛ فالمعية العامة مثل قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
ومثل قوله تعالى:
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا
ومثل قوله تعالى:
وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ
فنثبت آيات المعية، ونقول: إنها معية حقيقية؛ ولكن ليس معناها أنه مختلط بخلقه، كما بين ذلك شيخ الإسلام في الواسطية يقول: وليس معنى
وَهُوَ مَعَكُمْ
أنه مختلط بخلقه فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه أهل السنة، وهو خلاف ما فطر الله عليه الخلق؛ بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر، وغير المسافر أينما كان. يعني: أن الله تعالى فوق عباده وأنه مع عباده كما يشاء أي: مطلع عليهم، ولهذا سئل ابن عباس عن قوله
وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ
فقال: اقرأ ما قبلها أول الآية وآخرها
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وآخرها:
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
آية الحديد أولها
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ
أي: معكم بعلمه وباطلاعه. فالمعية نقر بأنها حقيقية، وأن مقتضاها أنه مطلع عليكم، مهيمن عليكم رقيب عليكم، يراكم ولا يخفى عليه شيء من أمر عباده، ولا تحجبه هذه المخلوقات، ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان، ويعلم ما يجول في صدره .
وهو مع ذلك فوق عباده وفوق سماواته ومستو على عرشه و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
فالمعية هاهنا معية حقيقية مقتضاها العلم والاطلاع والمراقبة، رقيب على عباده مطلع عليهم مهيمن عليهم، يراهم ولا يخفى عليه منهم خافية، ولا تحجبه عنهم مخلوقاته، بل هو كما يشاء فوق عباده وهو القاهر فوقهم، كذلك آيات المعية الخاصة، في قوله تعالى:
إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى
وقوله تعالى عن نبيه قال:
لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
هذه المعية معية خاصة مقتضاها أنه معنا بنصره وتأييده وتقويته، وحفظه وكلاءته، يحرسنا، وينصرنا، ويؤيدنا، ويحمينا من كل سوء، فهي معية أيضا لها مفاد كما في آيات أخرى
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
آيات كثيرة يخبر أنه معهم يعني: ينصرهم ويؤيدهم ويقويهم، فلا يكون في هذه الآيات دلالات على معية الامتزاج بهم تعالى الله عن ذلك.
فالذين يقولون: إن الله في كل مكان لم ينزهوا الله عن الحشوش وعن الأقذار، وعن أماكن التخلي، ونحو ذلك؛ وذلك -بلا شك- تنقص للخالق تعالى. فإذا تأملنا في هذه الآيات عرفنا في هذه الأدلة أنها لا تخالف العقول، وأن الله تعالى متصف بهذه الصفات التي هي صفة العلو والارتفاع كما يشاء، وليس فيها ما يقدح في العقول ولا ما يغير الأذهان والأفهام، بل العقول مفطورة على الاعتراف بأن الله تعالى فوق السماء.
وعلى ذلك أيضا العرب بفطرتهم والمؤمنون، فمن ذلك أن عبد الله بن رواحة أنشد شعرا عند النبي صلى الله عليه وسلم وأقره عليه وهو قوله:
شـهدت بـأن وعـد اللـه حـق | وأن النـار مثـوى الكـافـرين |
وأن العـرش فـوق المـاء طاف | وفـوق العـرش رب العالمـين |
وتحـملــه مـلائكــة كـرام | مـلائكــة الإلـه مسـومـين |
بالبناء الأعلى الـذي سبق النـاس | وسـوى فـوق السـماء سـريرا |
فـارجعن مـا ينالـه بصـر العين | تـرى دونـه الملائكــة صـورا |
.................................... | إذا كان ربي في السمـاء قضاهـا |