إذا عرف الصغير ربه، وعظم قدر ربه في قلبه، نشأ على طاعة الله تعالى، ونشأ على محبته، وأحب عبادة الله وعظمها في صغره، وسهلت عليه وداوم عليها في كبره، وكره المعصية ونفر منها، وكره كل ما نهى الله تعالى عنه؛ حيث أن آباءه يعلمونه الخير ويؤدبونه عليه       إن المؤمن بربه يرضى بالقضاء والقدر، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، ويعلم أن في الابتلاء والامتحان خيرا كثيرا وأجرا كبيرا، وأن المصائب والنكبات يخفف الله بها من الخطايا، فيستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أصاب العبد المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه" متفق عليه. إن المؤمن بربه يرضى بالقضاء والقدر، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، ويعلم أن في الابتلاء والامتحان خيرا كثيرا وأجرا كبيرا، وأن المصائب والنكبات يخفف الله بها من الخطايا، فيستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أصاب العبد المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه" متفق عليه الدين الذي في ذمة من هو قادر على الوفاء يزكى؛ لأنه بمنزلة الأمانة عنده، ويقدر صاحبه أن يأخذه ويتحصل عليه متى طلبه، وأما الدين الذي عند معسر أو مماطل ولو كان غنيا، فإن صاحبه لا يقدر على الحصول عليه، ولو طالبه قد يدعي الإعسار والفقر، فمثل هذا المال كالمعدوم، فلا زكاة عليه إلا إذا قبضه الاعمى إذا أراد الصلاة فعليه أن يتحرى القبلة باللمس للحيطان إذا كان صاحب البيت، وإلا فعليه أن يسأل من حضر عنده، فإن لم يكن عنده من يسأله تحرى وصلى بالاجتهاد الغالب على ظنه، ولا إعادة عليه، كالبصير إذا اجتهد في السفر ثم تبين له خطأ اجتهاده فلا إعادة عليه.
شرح سنن الترمذي
2222 مشاهدة
شرح سنن الترمذي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال الإمام الترمذي .
رحمه الله تعالى: كتاب النكاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. باب ما جاء في فضل التزويج والحث عليه.
حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا حفص بن غياث عن الحجاج عن مكحول عن أبي الشمال عن أبي أيوب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح .
قال: وفي الباب عن عثمان وثوبان وابن مسعود وعائشة وعبد الله بن عمرو وأبي نجيح وجابر وعكاف قال أبو عيسى حديث أبي أيوب حديث حسن غريب.
حدثنا محمود بن خداش البغدادي حدثنا عباد بن العوام عن الحجاج عن مكحول عن أبي الشمال عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث حفص قال أبو عيسى وروى هذا الحديث هشيم ومحمد بن يزيد الواسطي وأبو معاوية وغير واحد عن الحجاج عن مكحول عن أبي أيوب ولم يذكروا فيه عن أبي الشمال وحديث حفص بن غياث وعباد بن العوام أصح.
حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شباب لا نقدر على شيء، فقال: يا معشر الشباب عليكم بالباءة؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع منكم الباءة فعليه بالصوم؛ فإن الصوم له وجاء قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
حدثنا الحسن بن علي الخلال حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش عن عمارة نحوه، وقال أبو عيسى وقد روى غير واحد عن الأعمش بهذا الإسناد مثل هذا.
وروى أبو معاوية والمحاربي عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. قال أبو عيسى كلاهما صحيح.


هذا الباب في فضل النكاح، وفي أنه من سنن المرسلين وفي فوائده، أخبر بأن من فوائده: أنه أغض للبصر وأحصن للفرج وحث فيه الشباب على النكاح. وتخصيصه الشباب أولا: أنهم في العادة أقوى شهوة وباءة.
وثانيا: أنهم غالبا ليس معهم ما يردعهم عن الآثام من قوة الإيمان وقوة الخوف؛ فلذلك رغبهم في النكاح.
معلوم أن النكاح هو الزواج: الذي هو أن يختار الرجل له زوجة، يحصل من اختياره لها أنها تعفه، وأنها تقصر نظره على الحلال ويغض بصره عن الحرام.
الله تعالى من حكمته أن جعل في كل من الرجل والمرأة شهوة تدفع أحدهما إلى الآخر حتى يحصل هذا الاتصال الذي هو الجماع، والذي ينتج منه التوالد ووجود هذا النوع من الإنسان، وتوالده الذي يكون سببا في بقاء هذا البشر.
فهذه الشهوة لا شك أنها جبلة وخلقة في الإنسان؛ فلا بد أن يكسر حدة هذه الشهوة.
فكسرها في الأصل وتخفيفها هو بهذا النكاح الحلال، ولا شك أن هذا الوطء والجماع الأصل فيه أنه حرام إلا ما أحل الله قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ .
فدل على أن الأصل أن الوطء جنسه حرام إلا ما استثني؛ ولأجل ذلك حرم الله نكاح المحارم، وحرم الله الزنا؛ فحرم نكاح المحارم في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ الآية، وحرم الزنا بقوله: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا .
ولما حرم الزنا أباح الحلال الذي هو النكاح الذي له أركانه وله شروطه، وجعله من سنن المرسلين؛ حيث إن المرسلين جاءوا بسنن ولا شك أن من هذه السنن ما هو واجب وما هو مستحب ومندوب.
فهذه الأربع التي ذكرت في هذا الحديث منها ما هو سنة كالسواك وكذلك التعطر، ومنها ما قد يجب؛ يعني أحيانا النكاح قالوا: إنه تتعلق به الأحكام الخمسة؛ فيحرم نكاح المحارم ونحوها، وكذلك يحرم نكاح المعتدة، ونكاح ما فوق الأربع، ونكاح المُحْرِم، ويجب النكاح على من خاف على نفسه الزنا وقدر على مئونة النكاح؛ فإنه يجب عليه أن يعف نفسه وأن يمنع نفسه من الفاحشة -من فاحشة الزنا- أو مقدماته، أو فعل قوم لوط أو ما أشبهها من المحرمات، فإذا كان واجبا عليه أن يعف نفسه فإن الإعفاف يكون بالنكاح الحلال.
وقد يكون النكاح مكروها وهو ما إذا علم أنه لا يقوم بالواجب، أو خاف أنه لا يؤدي حقوق الزوجات التي أوجبها الله عليه من العشرة الطيبة، ومن الإعفاف الواجب، ومن النفقة والكسوة وما أشبه ذلك ومن المؤانسة ونحوها؛ فيكره في حقه لأنه يهين المرأة، ويذلها ويحبسها ويضرها؛ فلأجل ذلك نُهي عنه وكره وإن لم يكن محرما.
ويستحب إذا كان له شهوة ولكنه يأمن على نفسه والوقوع في الفاحشة؛ يقدر أن يملك نفسه. ولكن معه شهوة يقدر أن يعف المرأة التي يتزوجها ويقوم بحقوقها.
فعرفنا أنه يحرم كنكاح المحرِم والمحارم، ويجب كوجوبه على من خاف على نفسه الزنا، ويستحب كاستحبابه في حق من له شهوة وهو يقدر على أن يملك نفسه، ويكره في حق من يعرف أنه لا يؤدي الحقوق الواجبة للزوجة، ويباح في حق من لا شهوة له ولكنه يعرف أنه سيقوم بالحقوق الزوجية.
ومع ذلك فإن الأصل فيه الاستحباب؛ لما فيه من المصالح، ففيه مصلحة إعفاف نفسه، وفيه مصلحة إعفاف المراة، ومصلحة تحصيل الذرية الصالحة وتكثير الأمة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة فحث على كثرة الأولاد، وعلى النساء اللاتي يعرفن بكثرة الولادة.
ونهى عن التبتل. ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- رد على بعض أصحابه التبتل. يقول ابن مسعود: رد النبي -صلى الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون ولو أذن له لاختصينا؛ يعني: لتبتلنا ولو ألا نجد إلا الاختصاء حتى تنقطع عنا هذه الشهوة.
وقد كان عثمان بن مظعون من المهاجرين، ولما تعبد هجر امرأته وبقيت مدة طويلة لا يلتفت إليها لانشغاله بالعبادة في الليل يقوم ويتهجد، وفي النهار يصوم، فلم يتفرغ لامرأته، وبقيت امرأته معتزَلَةً؛ فاشتكت إلى بعض نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رأينها وهي متبذلة، وأخبرت أنه لا حاجة له في النساء، فعند ذلك عاتبه النبي -صلى الله عليه وسلم- ورد عليه هذا التبتل، وأمره بأن يعطي حق امرأته -يعطيها حقها-.
فعاد إلى ذلك، وكذلك عاد الصحابة إلى التمتع بالمباحات، ونزل في ذلك قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ قالوا: إن سبب نزول هذه الآية في نفر من المهاجرين ومن أجلاء الصحابة، عزموا على أن ينقطعوا عن الدنيا، وأن يتفرغوا للعبادة، وأن يعكفوا عليها حتى هموا بأن يقطعوا مذاكيرهم، وأن ينقطعوا عن شهوات الدنيا ولذاتها، فعند ذلك عاتبهم الله تعالى، ونزلت فيهم هذه الآية.
وورد فيهم الحديث المشهور الذي فيه أنهم قالوا : أين نحن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال أحدهم: أنا أصوم فلا أفطر، وقال الآخر: أنا أقوم ولا أنام، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني فحذرهم عن أن يرغبوا عن سنته، فأخبرهم بأنه من الذين يرغبون فيما يرغبهم الله تعالى فيه، ومن جملة ذلك النكاح.
وقد أباح الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ما لم يبح لغيره في النكاح؛ حيث خصه بأن أباح له أن يتزوج هذا العدد، وأنزل عليه قوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ حتى قالت عائشة: ما أرى ربك إلا يعطيك على هواك، أو كما قالت -ولكن الله تعالى أباح له هذا العدد- ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .
فالحاصل أن هذا من جمله ما أباحه الله تعالى وحث عليه ورغب فيه، ولا يترك المسلم الشيء الذي يحبه الله ويرغب فيه لأمر من الأمور مع القدرة عليه، وينبغي المبادرة إلى ذلك فإن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج وفي رواية الترمذي عليكم بالباءة يعني: يحثهم على الباءة، والباءة هي النكاح، أو مئونة النكاح أو مقدمات النكاح؛ يحثهم على الباءة ويرغبهم فيها، ثم يخبرهم بفوائد النكاح: أنه أغض للبصر وأحصن للفرج .
ثم يحذرهم من تركه إلا عند العجز الذي يعجز، وكونه يعجز بمعنى: أنه يعجز عن المهر أو يعجز عن النفقة؛ فإن عليه أن يخفف حدة الشهوة بالصيام؛ فإن الجوع والجهد يخفف حدة الشهوة؛ لذلك أرشدهم إلى الصيام والله تعالى قد أمرهم بالنكاح، ووعدهم بأن يسد حالتهم قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وعدهم بالغنى من فضله وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فإذا كانوا لا يستطيعونه كليا؛ تعففوا وغضوا أبصارهم وابتعدوا عن أسباب الآثام حتى يفتح الله عليهم. أحسن الله إليك.