القلوب أوعية؛ منها ما يستوعب الخير، ومنها ما يستوعب الشر. وأفضل القلوب هي التي تمتلئ بالخير،تمتلئ بالعلم وتمتلئ بالدين والعبادة، تمتلئ بالعلم النافع والعقيدة السليمة، هذه هي القلوب الواعية، وهي أرجى القلوب لتحصيل الخير إن أهمية الوقت معلومة عند كل عاقل؛ ذلك أن وقت الإنسان هو رأسماله، وهو عمره أيامه ولياليه، فإذا ما ضاع رأس المال، ضاعت الأرباح، وإذا عرف الإنسان ذلك، حرص على أن يستغلها ويستفيد منها وألا يضيعها، ليكون بذلك رابحا    جاء الشرع الشريف مرغبا في حسن المعاملة مع الأفراد والجماعات ؛ فحث على اختيار الرفقاء الصالحين ونفر من قرناء السوء، ورغب في زيارة الإخوان والأنس بهم، وأخبر بأن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من صاحب العزلة؛ فإن الأول ينفع الناس ويرشدهم، ويتحمل ما ناله في ذات الله من إساءة وضرر. تعبير الرؤيا يرجع فيه إلى معرفة أشياء تختص بالرائي وما يتصل به، وكذا معرفة القرائن والأحوال، ومعرفة معاني الكلمات وما يتصل بها لغة وشرعا وما يعبر به عنها، وهذه الأمور ونحوها يختص بها بعض الناس لانشغالهم بمعرفتها وما يدور حولها، فعلى هذا لا يجوز لكل أحد أن يعبر الرؤى، فقد يفهم فهما بعيدا، وقد يأخذ التعبير من اللفظ لا من المعنى فيخطئ في ذلك. إن غسل أعضاء الوضوء في اليوم خمس مرات دليل على أن الإسلام جاء بما ينشط البدن وينظفه، كما جاء بما يطهر الروح ويزكيها. فهو دين الطهارة الحسية والمعنوية.
شرح الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية
4358 مشاهدة
شرح الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية

وأمور العقيدة هي التي يجب الاهتمام بها والبداءة بها والعمل على تحقيقها؛ وذلك لأنها متى رسخت العقيدة في القلب، ورسخت أدلتها تبعتها الأعمال؛ انبعثت بقية الجوارح للأعمال، فأصبح كل عمل محبوبا إلى النفس، كل عمل صالح محبوب إلى النفس وخفيف وسهل ولذيذ.
وأما إذا لم ترسخ العقيدة التي هي معرفة الله وتعظيمه واستحضار عظمته لم ترسخ في القلب؛ بل بقي الإنسان في شك وفي حيرة، أو توالت عليه الشبهات؛ فإن الأعمال تكون ثقيلة على النفس؛ فلأجل ذلك اهتم العلماء قديما وحديثا بأمور العقيدة، وحرصوا على ترسيخها في القلوب، وإقامة البراهين والأدلة عليها، وحرصوا على كثرة الكتابة فيها، وأيضا فلأن الخلاف فيها مع المبتدعة؛ إما في أصلها كالخلاف مع الدهريين والشيوعيين ونحوهم، وإما في أقسامها كالخلاف مع المعتزلة ومع القبوريين ومع أهل الشركيات والتوسلات ونحوها؛ فالخلاف فيها خلاف مع مبتدعة؛ إما أنا نبدعهم وإما أنا نكفرهم؛ فلأجل ذلك كان المسلم بحاجة إلى أن يهتم أشد الاهتمام بمعرفة العقيدة.
وقد ذكرنا أن العلماء -علماء السلف- في القرن الثالث والقرن الرابع وآخر القرن الثاني كتبوا في أمر العقيدة وأكثروا، ولكن كتابتهم في أمور؛ في بعض البدع التي حدثت في زمانهم، فيذكرون عقيدة أهل السنة في التكفير وعدمه لمناقشة الخوارج، ويذكرون عقيدة أهل السنة في قدرة الله تعالى وعمومها، ويناقشون في ذلك المعتزلة، ويذكرون عقيدة أهل السنة في أسماء الله تعالى وفي صفاته، ويناقشون في ذلك شبهات المعطلة والجهمية، ويذكرون في عقائدهم ما يتعلق بأسماء الإيمان والدين وأحكام العصاة ونحوهم، ويناقشون في ذلك شبهات المرجئة.